محمد بن جرير الطبري

140

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

كسرى ، فلما قدم النعمان على كسرى وفرغ من حاجته ، ذكر له سيف بن ذي يزن وما قدم له ، وسال ان يأذن له عليه ، ففعل وكان كسرى انما يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه ، وكان تاجه مثل القنقل العظيم ، مضروبا فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ والذهب والفضة ، معلقا بسلسله من ذهب في راس طاق مجلسه ذلك ، كانت عنقه لا تحمل تاجه ، انما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ، ثم يدخل رأسه في تاجه ، فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك الا برك هيبة له فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك ، ثم قال : أيها الملك غلبتنا على بلادنا الاغربه ، فقال كسرى : اى الاغربه ؟ الحبشة أم السند ؟ قال : بل الحبشة ، فجئتك لتنصرنى عليهم ، وتخرجهم عنى ، ويكون ملك بلادي لك ، فأنت أحب إلينا منهم قال : بعدت أرضك من أرضنا ، وهي ارض قليله الخير ، انما بها الشاء والبعير ، وذلك مما لا حاجه لنا به ، فلم أكن لاورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجه لي بذلك ! ثم امر فأجيز بعشره آلاف درهم واف ، وكساه كسوه حسنه . فلما قبض ذلك سيف بن ذي يزن ، خرج فجعل ينثر الورق للناس ينهبها الصبيان والعبيد والإماء ، فلم يلبث ذلك ان دخل على كسرى ، فقيل له : العربي الذي أعطيته ما أعطيته ينثر دراهمه للناس ينهبها العبيد والصبيان والإماء . فقال كسرى : ان لهذا الرجل لشأنا ، ائتوني به ، فلما دخل عليه قال : عمدت إلى حباء الملك الذي حباك به تنثره للناس ! قال : وما اصنع بالذي أعطاني الملك ! ما جبال ارضى التي جئت منها الا ذهب وفضه - يرغبه فيها لما رأى من زهادته فيها - انما جئت الملك ليمنعني من الظلم ، ويدفع عنى الذل ، فقال له كسرى : أقم عندي حتى انظر في امرك فأقام عنده . وجمع كسرى مرازبته وأهل الرأي ممن كان يستشيره في امره ، فقال : ما ترون في امر هذا الرجل ، وما جاء له ؟ فقال قائل منهم : أيها الملك ، ان في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل ، فلو انك بعثتهم معه ، فان هلكوا كان الذي أردت بهم ، وان ظهروا على بلاده كان ملكا ازددته إلى ملكك . فقال : ان هذا الرأي ! احصوا لي كم في سجونى من الرجال ، فحسبوا له ،